فخر الدين الرازي
120
لوامع البينات شرح أسماء الله تعالى والصفات
الخامس : يلزم أن تكون الأصنام آلهة . لأن الكفار كانوا يعبدونها . والجواب : هذه الإشكالات إنما تلزم لقولنا الإله هو المعبود ، أما إذا قلنا الإله هو الموصوف بصفات لأجلها يستحق أن يكون معبودا للخلق ، زالت الإشكالات . إذا عرفت هذا فنقول : إنه تعالى إنما استحق أن يكون معبودا للخلق لأنه خالقهم ومالكهم ، وللمالك أن يأمر وينهى ، وأيضا أصناف نعمه على العبد خارجة عن الحد والإحصاء ، كما قال تعالى : « وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها » « 1 » وشكر النعمة واجب ، وإذا عرف العبد هذه الدقيقة علم قطعا أن طاعته لا توجب على اللّه شيئا لأن الخلق السابق ، والنعمة السابقة ، توجب على العبد هذه الطاعات ، وإذا الواجب لا يوجب عليه شيئا آخر ، وأيضا هذه الطاعات لا يليق شيء منها بنعمه ، وأصناف كرمه ، لأن هذه الطاعات ممزوجة بالتقصير والرياء ، وشهوات النفوس ، فلهذا المعنى صارت نهاية معارف العارفين ، وطاعات المطيعين ، الاعتراف بالقصور ، يقولون ما عرفناك حق معرفتك ، وما عبدناك حق عبادتك . هذا جملة الكلام في اشتقاق هذا الاسم عند من يقول إنها من الأسماء المشتقة . المسألة الرابعة : وجود الاله في الأزل اختلف المتكلمون الذين زعموا أن لفظ الإله مشتق من العبودية في أنه تعالى هل هو إله في الأزل أم لا ، وعندي أن هذا الخلاف لفظي لأن من قال الإله هو الّذي يستحق أن يكون معبودا ، قال إنه تعالى إنما يستحق أن يكون معبودا ؛ لكونه معطيا لأصول النعم ، فلم يكن في الأزل مستحقا للعبودية ، فما كان إلها في الأزل ، وأما من قال إنه كان إلها في الأزل قال الإله هو القادر على ما لو فعله لاستحق العبادة ، فعلى هذا التفسير كان إلها في الأزل لأن قدرته على الخلق والإيجاد كانت موجودة في الأزل ، فظهر أن هذا الخلاف لفظي .
--> ( 1 ) جزء من الآية 34 من سورة النمل .